طفرة الذكاء الاصطناعي ونهاية العلاقة بين النمو والتوظيف

لم يكن كين غريفين مقتنعًا بحالة الذعر من الذكاء الاصطناعي. ففي منتدى دافوس في يناير/كانون الثاني الماضي، قلّل الملياردير مؤسس شركة Citadel، صندوق التحوط الضخم في ميامي الذي يدير استثمارات بقيمة 68 مليار دولار، من شأن مخرجات الذكاء الاصطناعي واصفًا إياها بأنها “عديمة القيمة”.
لكن هذا الشهر، غيّر غريفين موقفه بشكل كامل. فقد شاهد وكلاء الذكاء الاصطناعي وهم ينجزون أعمالًا معقدة في ساعات، كانت تستغرق من موظفي Citadel أسابيع أو حتى أشهرًا. وتعتمد الشركة بشكل كبير على توظيف نخبة من العقول، إذ يمتلك أكثر من 40% من موظفيها درجات علمية متقدمة، بينهم نحو 270 حاصلًا على درجة الدكتوراه في 40 تخصصًا مختلفًا. ويُعد هؤلاء من بين الأعلى أجرًا في الولايات المتحدة، حيث يتجاوز متوسط التعويضات السنوية لمهندسي البرمجيات في Citadel أكثر من 500 ألف دولار، ما يعني أن البرمجيات القادرة على استبدال جزء من هذا العمل قد توفر على شركات مثل Citadel مبالغ ضخمة. ورغم ذلك، قال غريفين إنه عاد إلى منزله وهو يشعر بالإحباط، بعدما بدأ يرى أن الآلات أصبحت قادرة على أداء أعمال لم يكن يقوم بها إلا هؤلاء الموظفون.
الناتج المحلي الإجمالي تحت الاختبار
قد يواجه خبراء الاقتصاد قريبًا معضلة غير مألوفة: الشركات تنمو، والناتج المحلي الإجمالي يرتفع، والأرباح تبقى قوية، لكن الوظائف لا تواكب هذا النمو. وإذا مكّن الذكاء الاصطناعي الشركات من إنتاج المزيد بعدد أقل من العاملين، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها تبدو أكثر ثراءً على الورق، بينما تشعر ملايين الأسر بتراجع أوضاعها المعيشية. كان اقتصاد يشهد نموًا في الناتج المحلي الإجمالي مع وصول معدل البطالة إلى 8% يبدو قبل سنوات قليلة أمرًا غير واقعي، لكنه مع مرور الوقت أصبح أكثر احتمالًا. وإذا اتجه الاقتصاد إلى هذا المسار، فقد يضطر الاقتصاديون إلى إعادة تقييم ما إذا كان النمو وحده كافيًا للحكم على صحة الاقتصاد.
منذ فترة الكساد الكبير، ظل الناتج المحلي الإجمالي المقياس الرئيسي لصحة الاقتصاد. وقد طوّر هذا المؤشر الاقتصادي سيمون كوزنتس، الذي حصل لاحقًا على جائزة نوبل في عام 1971، خلال عمله مع الحكومة الأميركية في ثلاثينيات القرن الماضي لرصد آثار الانهيار الاقتصادي. فعندما يرتفع الناتج المحلي الإجمالي، يُنظر إلى الاقتصاد على أنه ينمو، وعندما ينخفض لفترة طويلة، يُفترض أنه يدخل في حالة ركود أو يقترب منها. ورغم أن الأمر ليس بهذه البساطة تمامًا، إذ يتولى المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية NBER الإعلان الرسمي عن حالات الركود بناءً على عدة عوامل، فإن الإطار العام ظل ثابتًا لعقود: النمو والركود لا يفترض أن يحدثا في الوقت نفسه.
على مدار التاريخ الأميركي الحديث، جاءت حالات الركود بشكل متكرر وقاس نسبيًا. فمنذ عام 1950 وحتى 2010، شهدت الولايات المتحدة 10 حالات ركود، أي بمعدل يقارب ركودًا كل ست سنوات. فقد انكمش الاقتصاد في أعوام 1953 و1958 و1960 و1969، ثم مرتين خلال أزمة التضخم وصدمات النفط في السبعينيات، ومرة أخرى في أوائل الثمانينيات عندما قام الاحتياطي الفيدرالي بقيادة بول فولكر برفع معدلات الفائدة بشكل حاد لكبح التضخم، ثم خلال أزمة المدخرات والقروض، وفقاعة الإنترنت، وأخيرًا أزمة 2008 العقارية.
ورغم اختلاف التفاصيل في كل مرة، بقي النمط العام ثابتًا: تتراجع أرباح الشركات، ومعها ينكمش الناتج المحلي الإجمالي، ويفقد الأميركيون وظائفهم وتتعثر الشركات. بدا الاقتصاد مريضًا لأنه كان بالفعل يعاني من أزمة. ثم تغيّر الوضع. فباستثناء الركود القصير الذي أعقب جائحة كوفيد-19، لم تدخل الولايات المتحدة في ركود اقتصادي تقليدي منذ عام 2008. وامتدت أطول فترة ازدهار اقتصادي في تاريخ الولايات المتحدة الحديث من يونيو/حزيران 2009 حتى إغلاقات الجائحة بعد 11 عامًا. ومنذ ذلك الحين، خالف الاقتصاد مرارًا نماذج التنبؤ بالركود.
وقد ساهمت حزم التحفيز الحكومية الضخمة، وسنوات من معدلات الفائدة شبه الصفرية، والعولمة، والهيمنة المتزايدة لشركات التكنولوجيا في دعم هذا النمو. لكن، وعلى الرغم من ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وأسواق الأسهم، اتسعت فجوة التفاوت في الثروة، إذ ارتفعت تكاليف السكن والرعاية الصحية والتعليم بوتيرة أسرع من معظم الأجور. وباتت المؤشرات الاقتصادية التقليدية أقل تعبيرًا عن الواقع مقارنة بالماضي. وقد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تعميق هذا التباين عبر تمكين الشركات من تحقيق النمو دون الحاجة إلى عدد كبير من العمال.
وظائف أقل… وقواعد جديدة
لطالما أدت التكنولوجيا إلى فقدان بعض الوظائف. فقد قلّلت الميكنة الزراعية من الحاجة إلى العمل اليدوي، كما خفّضت أجهزة الصراف الآلي ATMs عدد العاملين في البنوك، واختفت وظائف موظفي خدمات الهاتف. غير أن النمط التاريخي كان يتمثل في انتقال العمال إلى وظائف جديدة في قطاعات ناشئة.
لكن الذكاء الاصطناعي قد يكون مختلفًا، لأنه يتغلغل في أنواع متعددة من العمل في الوقت نفسه. فهو يكتب الأكواد بالفعل، ويراجع العقود، ويتولى خدمة العملاء، ويحلل جداول البيانات، وهي مهام طالما اعتُبرت صعبة الأتمتة.
وقد بدأت الشركات بالفعل في اختبار شكل بيئة العمل القائمة على الذكاء الاصطناعي. إذ تُقلّص شركة ميتا نحو 8 آلاف وظيفة، في الوقت الذي يستثمر فيه مارك زوكربيرغ مليارات الدولارات في هذا المجال. كما ألغت شركة Block، المالكة لشركتي Square وCash App، أكثر من 4 آلاف وظيفة بعد أن صرّح جاك دورسي بأن التكنولوجيا الجديدة غيّرت احتياجات الشركة من الموارد البشرية. وفي السياق نفسه، يتوقع بنك ستاندرد تشارترد البريطاني أن يساعد الذكاء الاصطناعي والأتمتة في إلغاء أكثر من 7 آلاف وظيفة من الوظائف البشرية منخفضة القيمة المضافة بحلول عام 2030.
ومع ذلك، لا ترتبط كل حالات “تسريح العمالة بسبب الذكاء الاصطناعي” بالذكاء الاصطناعي نفسه بشكل مباشر. فقد تكون بعض الشركات قد وظّفت أعدادًا تفوق احتياجاتها، أو تسعى لخفض التكاليف استجابة لضغوط المستثمرين، أو تستخدم الذكاء الاصطناعي كذريعة مناسبة لتبرير تقليص الوظائف. ومع ذلك، يبدو أن عددًا متزايدًا من الشركات بات يدرك أنه قد يحتاج إلى عدد أقل من الموظفين مقارنة بتوقعاته السابقة.
ويرى مايكل مادويتز، كبير الاقتصاديين في معهد روزفلت، وهو مركز أبحاث اقتصادي في واشنطن، أن الاقتصاديين يفتقرون إلى مصطلحات كافية لوصف الحالات غير التقليدية التي قد يمر بها الاقتصاد. فمصطلح “الركود التضخمي” نفسه لم ينتشر إلا بعد أن أظهرت سبعينيات القرن الماضي إمكانية ارتفاع التضخم والبطالة في الوقت نفسه.
اقتصاد قوي وأجور أضعف
وقد يخلق الذكاء الاصطناعي خللًا اقتصاديًا جديدًا يتمثل في نمو قوي متزامن مع ارتفاع البطالة. ولا يتوقع مادويتز اقتصادًا بلا وظائف، لكنه يرى أن الوقت قد حان لإعادة النظر في كتب الاقتصاد التمهيدية، إذ قد تفقد الأدوات التقليدية لتقييم صحة الاقتصاد فعاليتها.
تاريخيًا، كان نحو ثلثي الدخل القومي يذهب إلى العمال عبر الأجور، بينما يحصل أصحاب العمل على الجزء الأكبر المتبقي عبر الأرباح. وتعتمد العديد من النماذج الاقتصادية على هذا التوزيع باعتباره ثابتًا، رغم أنه في الواقع نتاج تاريخي أكثر منه قانونًا اقتصاديًا طبيعيًا. وإذا مكّن الذكاء الاصطناعي الشركات من زيادة الإنتاج بعدد أقل من العمال، فقد ترتفع حصة أرباح ملاك الشركات على حساب حصة أجور الموظفين.
في حين يصعب تجاهل اقتصاد قوي بالتزامن مع سوق عمل ضعيف. إذ إن معدل بطالة يتجاوز 5% يُعد مصدر قلق لخبراء الاقتصاد. وإذا أُضيف إلى ذلك نمو قوي في الناتج المحلي الإجمالي تقوده إلى حد كبير الأرباح، إلى جانب اتساع فجوة عدم المساواة، فإن الصورة الاقتصادية العامة تبدو مختلفة تمامًا. ويُضيف مادويتز: “قد يبدو نمو الناتج المحلي الإجمالي هنا صحيًا، لكن هذا ليس اقتصادًا سليمًا”، في إشارة إلى التداعيات الأوسع لهذا النمو غير المتوازن.
ومع ذلك، ثمة رواية أخرى أكثر تفاؤلًا لهذه القصة.
بين المخاوف والتفاؤل
يتذكر جو بروسويلاس، كبير الاقتصاديين في شركة RSM US، وهي شركة متخصصة في التدقيق والضرائب والاستشارات للشركات المتوسطة، والدته وهي تعمل كموظفة سنترال تقوم بربط المكالمات يدويًا. ومع تطور قطاع الاتصالات، أصبحت هذه الوظيفة غير ضرورية، ما دفعها إلى الانتقال للعمل في مجال الرعاية الصحية، بينما واصل الاقتصاد مسار النمو.
يرى بروسويلاس أن هذا النمط التاريخي لا يزال قائمًا؛ إذ إن كل قفزة تكنولوجية كبرى تثير مخاوف من تراجع الحاجة إلى العمالة، لكن النتيجة غالبًا ما تكون ظهور صناعات ووظائف جديدة. ومن هذا المنظور، لا يعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي قريبًا إلى إعادة النظر جذريًا في مفهوم الركود الاقتصادي.
كما يحذر من الانسياق وراء كل ما يُقال عن الذكاء الاصطناعي دون تدقيق، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا حقيقية، لكن الضجة المحيطة بها مبالغ فيها أيضًا.
حتى الآن، لم يُحقق الذكاء الاصطناعي أثرًا اقتصاديًا يتمثل في نمو هائل للناتج المحلي الإجمالي مصحوب بارتفاع كبير في البطالة. كما أن بعض حالات تسريح العمالة التي تُنسب إلى الذكاء الاصطناعي قد تكون مرتبطة أساسًا بالتوظيف الزائد أو ضغوط المستثمرين لخفض التكاليف.
ويرى بروسويلاس أن القضية الأهم حاليًا هي الإنتاجية. فقد ظل نمو الإنتاجية في الولايات المتحدة قريبًا من 1.5% قبل أن يرتفع إلى نحو 2.3%. ويشير إلى أن جزءًا كبيرًا من هذا التحسن يعود إلى نقص العمالة خلال الجائحة، ما أجبر الشركات على تبني تقنيات أكثر كفاءة. في المقابل، لا تزال أدوات الذكاء الاصطناعي على غرار ChatGPT حديثة نسبيًا بحيث لم تنعكس آثارها بشكل كامل في البيانات الاقتصادية الرسمية.
ثراء بلا أمان
ومع ذلك، فإن حجم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أصبح كبيرًا بما يكفي للتأثير في البيانات. ويؤكد بروسويلاس أن الإنفاق على المعدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ساهم في دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول، حتى وإن لم يكن العامل الوحيد.
وقد يصبح من الممكن أن يزداد ثراء دولة ما في الوقت الذي تتدهور فيه أوضاع شريحة واسعة من سكانها. ويمكن للناتج المحلي الإجمالي نظريًا أن يرتفع في الوقت الذي يصبح فيه الحصول على الرواتب أصعب. ويمكن للأرباح أن ترتفع بينما يتباطأ التوظيف. ويمكن لسوق الأسهم أن يكافئ التحولات ذاتها التي تولّد شعورًا متزايدًا بعدم الأمان لدى الأسر.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد لا يكون سببًا مباشرًا في الركود الاقتصادي القادم، فإنه، وفق الإطار التقليدي، يُرجَّح أن يكون عاملًا دافعًا نحو طفرة اقتصادية. لكن إذا استمر نمو الناتج المحلي الإجمالي بالتوازي مع صعوبة حصول ملايين الأشخاص على فرص عمل جيدة، فقد يؤدي ذلك إلى تعميق فجوة الثقة في السرديات الرسمية حول أداء الاقتصاد، وكذلك في مؤشرات قياسه التقليدية مثل الناتج المحلي الإجمالي.
المصدر: Forbes Middle East



